شهدت أسواق تجزئة الوقود في المملكة المتحدة تطوراً مقلقاً مع قفزة غير مسبوقة في أسعار الوقود بالمضخات، حيث سجل سعر لتر البنزين الخالي من الرصاص قفزة حادة بلغت 5 بنسات لكل لتر خلال أسبوع واحد فقط ليصل إلى متوسط 167.17 بنساً للتر، مسجلاً بذلك أعلى مستوى سعري له منذ أربع سنوات وتحديداً منذ ذروة تداعيات الأزمة الأوكرانية في عام 2022، بالتزامن مع ارتفاع مماثل لأسعار الديزل التي بلغت 188.63 بنساً للتر بزيادة أسبوعية بلغت 5 بنسات أيضاً، وفقاً للبيانات الميدانية الرسمية الموثقة الصادرة عن نادي السيارات الملكي البريطاني (RAC). وتأتي هذه الموجة التضخمية المتسارعة انعكاساً مباشراً لارتفاع أسعار خام برنت وتجاوزه حاجز 100 دولار للبرميل في الأسواق العالمية نتيجة تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتراجع المعروض، حيث بلغ متوسط تكلفة برميل النفط الخام 96 دولاراً على مدار الأسبوع، مما أدى إلى انتقال فوري وسريع لزيادة أسعار الجملة المكررة إلى لوحات الأسعار في ساحات محطات الوقود.
وأكد رود دينيس، المتحدث الرسمي باسم نادي السيارات الملكي (RAC)، أن المستهلكين وأصحاب المركبات وأساطيل النقل التجاري يجدون أنفسهم مضطرين لدفع مبالغ متزايدة عند كل عملية تزود بالوقود في ظل غياب أي بوادر لتراجع الأسعار على المدى القريب، محذراً من أن استمرار صعود أسعار الجملة يضع شبكات التجزئة وتجار المحطات المستقلين تحت ضغوط تشغيلية ومالية بالغة التعقيد. وتفرض هذه القفزة المفاجئة تحديات جمة على مشغلي الساحات؛ إذ إن ارتفاع الأسعار بالمضخات يقلص هوامش ربحية التجزئة الصافية (Retail Margins) نتيجة ارتفاع تكاليف شراء وتفريغ الشحنات من مصافي التكرير، ويزيد من أعباء الرسوم المصرفية المفروضة على المعاملات الرقمية والبطاقات الائتمانية التي تُحسب كنسبة مئوية من إجمالي قيمة الفاتورة المتضخمة، فضلاً عن تصاعد مخاطر سرقات الوقود بالمضخات وتراجع قدرة السائقين الشرائية.
وعلى الصعيد التنظيمي والسياساتي، سارعت جمعية تجار الوقود بالتجزئة في بريطانيا (Petrol Retailers Association – PRA)، التي تمثل الغالبية العظمى من محطات الوقود المستقلة، إلى توجيه مذكرة رسمية عاجلة ومكثفة إلى وزير الخزانة البريطاني، مطالبة الحكومة بالتدخل الفوري عبر جعل الخفض المؤقت لرسوم الوقود البالغ 5 بنسات لكل لتر (5ppl) قراراً دائماً ونهائياً ضمن الموازنة العامة المقبلة في أكتوبر 2026، وإلغاء أي توجهات سابقة لإنهاء هذا الخفض تدريجياً بحلول يناير أو مارس 2027. وشددت الجمعية على أن إنهاء الخفض الضريبي في هذا التوقيت الحرج سيعني تحميل المستهلكين زيادة فورية إضافية لا تقل عن 5 بنسات لكل لتر، مما سيعمق الركود التضخمي ويفاقم تكاليف سلاسل الإمداد اللوجستي والنقل البري ويزيد من صعوبة بيئة الأعمال لآلاف المحطات المستقلة التي تكافح لتغطية نفقات التشغيل وأجور العمالة.
كما تطرح هذه التطورات تداعيات هيكلية عميقة على سلوك رواد الساحات ونموذج أعمال محطات الخدمة؛ حيث تبرز البيانات أن الارتفاع الحاد في كلفة التزود بالوقود يدفع المستهلكين إلى ترشيد مشترياتهم البترولية والبحث عن أدنى الأسعار المتاحة، الأمر الذي يفرض على مشغلي المحطات تبني أدوات التسعير الديناميكي الذكي وربط الساحات بمنصات الشفافية السعرية الرقمية مثل منصة “Fuel Finder” لتفادي فقدان الحصص السوقية. والأهم من ذلك، تؤكد هذه الأزمة أن الاعتماد المنفرد على بيع الوقود الأحفوري بات يشكل خطراً وجودياً على استدامة وربحية المحطات، مما يحتم على المشغلين تسريع الاستثمار في تنويع مصادر الدخل غير الوقودية، وتوسيع مساحات متاجر الملاءمة، وتقديم خدمات الأغذية الطازجة والمشروبات السريعة والمقاهي، فضلاً عن إضافة بنية الشحن السريع للمركبات الكهربائية لجذب شرائح أوسع من السائقين وتعويض تقلبات أسواق الطاقة الحادة وهشاشة هوامش الوقود السائل.

