الرئيسية » أسعار البنزين والديزل في بريطانيا تسجل أعلى مستوياتها في أربعة أعوام بزيادة 5 بنسات في أسبوع واحد وسط دعوات لتثبيت خفض الرسوم
صورة محطة وقود بريطانية مع لوحات أسعار تُظهر ارتفاعاً في أسعار البنزين والديزل، مرتبطة بتقارير RAC Fuel Watch وPRA.

أسعار البنزين والديزل في بريطانيا تسجل أعلى مستوياتها في أربعة أعوام بزيادة 5 بنسات في أسبوع واحد وسط دعوات لتثبيت خفض الرسوم

أظهرت أحدث البيانات والتقارير الإحصائية الصادرة عن مؤسسة “آر إيه سي” البريطانية لخدمات السيارات (RAC Fuel Watch) في 9 سبتمبر 2026، تسجيل أسعار البنزين والديزل في المملكة المتحدة أعلى مستوياتها في أربعة أعوام كاملة؛ حيث شهدت أسواق التجزئة المحلية قفزة سعرية مفاجئة وعنيفة بلغت نحو 5 بنسات لكل لتر (5ppl) في غضون سبعة أيام فقط. وبموجب هذا التطور الميداني المتسارع، ارتفع متوسط سعر لتر البنزين الخالي من الرصاص (Unleaded Petrol) إلى 167.17 بنساً، في حين قفز متوسط سعر لتر الديزل إلى 188.63 بنساً. وتعد هذه الزيادة الأسبوعية بمثابة أكبر وأسرع وتيرة صعود أسبوعية تشهدها محطات الوقود البريطانية منذ موجة الارتفاعات الحادة التي سجلت في شهر أبريل الماضي، لتعيد أسعار وقود التجزئة إلى الذروة التاريخية التي بلغتها إبان أزمة الطاقة الأوروبية في صيف عام 2022.

وتعزى هذه القفزة القياسية بالأساس إلى صدمات متزامنة في أسواق النفط العالمية؛ حيث استقرت أسعار النفط الخام القياسي (خام برنت) عند مستويات تراوحت بين 96 و100 دولار للبرميل على مدار الأسبوع الماضي، متأثرة بتصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتراجع مخزونات الوقود لدى الاقتصادات الكبرى، إلى جانب خضوع عدد من مصافي التكرير الأوروبية الحيوية لعمليات صيانة موسمية غير مجدولة أدت إلى شح المنتجات النفطية المكررة. وأوضح رود دينيس، المتحدث الرسمي والمسؤول الأول لتحليلات الوقود في مؤسسة “RAC”، أن هذه التكاليف المرتفعة انعكست بصورة شبه فورية على أسعار البيع بالجملة التي تشتري بها المحطات إمداداتها من الوقود، مما اضطر مشغلي الساحات إلى تعديل أسعار المضخات ونقل العبء المالي إلى كاهل المستهلكين وأصحاب المركبات وسائقي أساطيل التوزيع الذين يجدون أنفسهم مضطرين لإنفاق مبالغ متزايدة في كل عملية تزود بالوقود دون أن تلوح في الأفق أي بوادر انفراجة سعرية وشيكة.

وتأتي هذه التطورات في توقيت سياسي واقتصادي استثنائي الحساسية داخل المملكة المتحدة؛ إذ تسبق الإعلان الرسمي عن الموازنة العامة الجديدة من قبل حكومة حزب العمال والمقررة في 28 أكتوبر 2026. ودفع هذا المشهد المتأزم جمعية تجار الوقود بالتجزئة البريطانية (Petrol Retailers Association – PRA)، والتي تمثل مصالح الغالبية العظمى من محطات الوقود المستقلة في البلاد، إلى توجيه مذكرة عاجلة وشديدة اللهجة إلى مستشار الخزانة البريطاني جون هيلي (John Healey). وطالبت الجمعية في مذكرتها بتحويل الخفض المؤقت لرسوم الوقود والبالغ 5 بنسات لكل لتر—المطبق منذ عام 2022 والمقرر قانوناً إنهاؤه والبدء في التراجع عنه تدريجياً بحلول يناير 2027—إلى خفض دائم ومستمر لا رجعة فيه. وحذرت الجمعية من أن السماح بانتهاء هذا الخفض سيعني فرض زيادة تلقائية قدرها 5 بنسات تضاف إليها ضريبة القيمة المضافة، مما سيدفع أسعار التجزئة إلى مستويات قياسية تضر بالنشاط الاقتصادي وتؤجج معدلات التضخم وتثقل كاهل الأسر وسلاسل الإمداد اللوجستي الوطنية.

وعلى الصعيد التشغيلي، يضع هذا الارتفاع الحاد مشغلي ساحات الوقود المستقلين (Independent Dealers) أمام اختبار مالي معقد؛ إذ يؤدي الارتفاع المفاجئ في أسعار الجملة إلى تآكل فوري في هوامش الربحية الصافية للتر (Fuel Margins)، نظراً لعجز المحطات المستقلة عن مجاراة وتيرة الارتفاع دون المخاطرة بفقدان عملائها لصالح محطات سلاسل السوبرماركت الكبرى (Tesco وSainsbury’s وAsda وMorrisons) التي تمتلك مرونة تسعيرية تمكنها من استخدام الوقود كمنتج خاسر لجذب المتسوقين (Loss Leader) وتعويض خسائرها من مبيعات المواد الغذائية ومحلات البقالة الضخمة. كما يتطلب استيراد وشراء حمولات الصهاريج بالأسعار المرتفعة سيولة نقدية ضخمة ورأس مال عامل متزايداً يرفع تكاليف التمويل والاقتراض في ظل بقاء أسعار الفائدة البنكية عند مستويات مرتفعة.

وفضلاً عن الضغوط المالية، تتصاعد المخاطر الأمنية بالساحات بالتوازي مع غلاء الأسعار؛ حيث كشفت تقارير أجهزة الشرطة البريطانية وهيئة مكافحة جرائم الوقود (BOSS) عن ارتباط طردي وثيق بين ارتفاع أسعار الوقود وتصاعد ظاهرة سرقة الوقود عبر الهروب بعد التعبئة دون سداد (Drive-offs / Bilking)، والتي تسجل أكثر من 170 ألف بلاغ سنوياً، مما يهدد هوامش ربح المحطات الهشة. ويتزامن ذلك مع تشديد هيئة المنافسة والأسواق (CMA) إجراءاتها التنظيمية الصارمة ضد المحطات عبر إخطارات الامتثال لمبادرة “Fuel Finder” الإلزامية للإفصاح الفوري عن الأسعار خلال 30 دقيقة. ويؤكد هذا التحليل الشامل أن النجاة التشغيلية لساحات الوقود باتت مشروطة بإعادة هيكلة جذرية لنموذج الأعمال؛ بحيث تتحول الساحة إلى وجهة متكاملة للخدمات غير الوقودية (Non-Fuel Retail) ومتاجر الأغذية الطازجة والمقاهي العصرية ومراكز الغسيل الآلي، للتحوط ضد تقلبات أسعار الطاقة الأحفورية وتأمين مصادر دخل متكررة ومستقرة.

وتشير تحليلات خبراء الطاقة إلى أن تداعيات هذه الأزمة السعرية تمتد لتشمل مراجعة السياسات الضريبية للوقود؛ حيث تشكل الرسوم وضريبة القيمة المضافة أكثر من 50% من السعر النهائي عند المضخة في بريطانيا، مما يلقي بالعبء الأكبر على تجار التجزئة والمستهلكين. وأكدت الدراسات أن المحطات التي استثمرت في أنظمة الطاقة الشمسية وتخزين الطاقة نجحت في تقليص تكاليف تشغيل الساحات وامتصاص صدمات الأسعار.

كما تبرز هذه التطورات ضرورة توظيف الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بتقلبات أسعار الجملة وجدولة استلام شحنات الوقود في أوقات التراجع، بالتوازي مع تعزيز الأمان بكاميرات (ANPR) لمنع سرقات الوقود. واستراتيجياً، تؤكد الأزمة أن مستقبل محطات الوقود بات مشروطاً بتنويع مصادر الدخل وتطوير مبيعات المتاجر والمقاهي العصرية للتحوط ضد تقلبات أسواق الطاقة.