يُظهر التقرير السنوي الشامل لقطاع متاجر الساحات والملاءمة لعام 2026 (Local Shop Report 2026)، الصادر في 7 سبتمبر 2026 عن جمعية متاجر الملاءمة البريطانية (Association of Convenience Stores – ACS)، صورة دقيقة ومقلقة للمشهد الاقتصادي والتشغيلي المعقد الذي تواجهه شبكات محطات الوقود ومتاجر التجزئة المستقلة في بريطانيا. فعلى الرغم من تسجيل القطاع نمواً اسمياً متواضعاً في إجمالي الإيرادات السنوية بنسبة 0.6% لتصل إلى 49.1 مليار جنيه إسترليني عبر أكثر من 50,000 متجر ومحطة خدمة منتشرة في مختلف أنحاء البلاد، إلا أن هذا النمو تآكل بصورة شبه كاملة بفعل الضغوط التضخمية التي سجلت متوسطاً سنوياً بلغ 2.9%، الأمر الذي كرس انكماشاً ملموساً في هوامش الأرباح الحقيقية الصافية ودفع المشغلين إلى معركة شرسة لتقليص النفقات التشغيلية لحماية هوامشهم المالية واستقرار أعمالهم.
وجاءت الصدمة الأبرز في التقرير من خلال بيانات الإنفاق الرأسمالي والتطوير؛ حيث كشفت الجمعية عن تراجع حاد في إجمالي الاستثمارات الموجهة لتحديث وتطوير المتاجر ومحطات الوقود بنسبة بلغت نحو 18%، هبوطاً من مستوياتها القياسية التي تجاوزت المليار جنيه إسترليني في عام 2024 إلى ما يقارب 900 مليون جنيه إسترليني سنوياً خلال عامي 2025 و2026. وعزت الجمعية هذا التباطؤ الاستثماري المباشر إلى تزايد الأعباء المالية والتنظيمية الحكومية التي تستنزف التدفقات النقدية للتجار والمشغلين، وفي مقدمتها الزيادات الحادة في ضرائب الأعمال العقارية (Business Rates)، والارتفاع المتواصل في مساهمات أصحاب العمل في التأمين الوطني (Employer NICs)، فضلاً عن القفزات المتتالية في الحد الأدنى للأجور الوطنية (National Living Wage) الذي ارتفع إلى 11.44 جنيه إسترليني للساعة، متزامناً مع استمرار أسعار الكهرباء والمرافق التشغيلية عند مستويات مرتفعة تاريخياً تفوق مستويات ما قبل الأزمة الطاقية.
وتحذر الجمعية في مذكرتها الرسمية المرفوعة إلى وزارة الخزانة البريطانية قبيل إقرار الموازنة العامة، من أن هذا الاستنزاف المستمر للسيولة يهدد استمرارية آلاف المنشآت المستقلة، يجبر التجار على اتخاذ تدابير تقشفية قاسية شملت تقليص ساعات عمل الموظفين، وتقليص أعداد الورديات، وزيادة اعتماد أصحاب المحطات على العمل الميداني الشخصي لساعات طويلة وشاقة خلف أجهزة المحاسبة والمضخات لتفادي تكاليف العمالة، بل ودفعت هذه البيئة الصعبة شريحة من الملاك إلى التخارج القسري وبيع محطاتهم لسلاسل التجزئة والمجموعات الاستثمارية الكبرى. بيد أن التقرير وثق في المقابل قدرة استثنائية للمشغلين على التكيف عبر تسريع وتيرة التحول الرقمي والأتمتة الذكية لخفض التكاليف؛ حيث كشفت الإحصاءات أن متجراً من بين كل خمسة متاجر (20%) بات يعتمد على صناديق الدفع الذاتي (Self-Service Tills) لتخفيف ضغوط أجور الصناديق التقليدية، بينما قامت 14% من المتاجر بتركيب ملصقات الرفوف الإلكترونية (ESLs) لتمكين التسعير الديناميكي الآلي وإلغاء العمليات الورقية اليدوية، ونجحت 47% من المتاجر في تفعيل خدمات التوصيل السريع للمنازل عبر شراكات سحابية متطورة مع منصات التوصيل عند الطلب مثل Deliveroo وUber Eats لتعويض التراجع في حركة التسوق التقليدية بالقدم.
واختتم التقرير بتسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والتنموية لقطاع محطات الوقود والمتاجر؛ حيث أثبتت البيانات أن 78% من التجار ينخرطون بفاعلية في المبادرات المجتمعية ورعاية الأنشطة البيئية والرياضية المحلية، بينما تبددت مخاوف شيخوخة المهنة مع ارتفاع نسبة الملاك والمشغلين الجدد دون سن الثلاثين إلى ثلث إجمالي القطاع للمرة الأولى في تاريخ المسح. وتؤكد الجمعية، التي تأخذ حملتها مباشرة إلى البرلمان البريطاني خلال مؤتمرها الوطني السنوي في قاعة وستمنستر، أن القطاع لا يبحث عن إعانات أو مساعدات حكومية، بل يطالب بمنحه “مساحة للتنفس” الاقتصادي من خلال تجميد الضرائب، وإصلاح تقييمات الأعمال العقارية، وإرساء سياسات تدعم المرونة الوظيفية، لتمكينه من استعادة وتيرة الاستثمار الرأسمالي ومواصلة تقديم خدماته اللوجستية الحيوية للمسافرين وسكان المناطق الريفية والحضرية على حد سواء.

