تصاعدت الضغوط السياسية والاقتصادية على وزير الخزانة البريطاني جون هيلي (John Healey) لاتخاذ تدابير استثنائية عاجلة لخفض الرسوم والضرائب المفروضة على المحروقات، قبيل تقديم ميزانية الخريف المرتقبة في 28 أكتوبر 2026؛ حيث طالب زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار، السير إد ديفي، الحكومة بتطبيق خفض فوري في ضريبة الوقود (Fuel Duty) بمقدار 10 بنسات للتر الواحد حتى أعياد الميلاد، وهو ما يعادل تراجعاً فعلياً في أسعار المضخات يصل إلى 12 بنساً للتر عند احتساب ضريبة القيمة المضافة. كما دعا ديفي إلى الإلغاء التام للزيادة الضريبية المخطط فرضها في يناير القادم، بعد أن كانت حكومة كير ستارمر قد أرجأت تطبيقها مسبقاً، وإسقاط ضريبة القيمة المضافة كلياً عن نقاط شحن المركبات الكهربائية العامة لدعم التحول نحو التنقل النظيف وتخفيف أعباء المعيشة عن كاهل الأسر وسائقي السيارات.
جاءت هذه التحركات البرلمانية لتعزز التحذيرات الشديدة التي أطلقتها “جمعية تجار تجزئة الوقود” (Petrol Retailers Association – PRA)، الممثل الأكبر لمشغلي محطات الوقود والساحات المستقلة في المملكة المتحدة؛ حيث شددت الجمعية على أن القفزة العنيفة التي شهدتها أسعار العقود الآجلة لخام برنت بتجاوزها حاجز 106 دولارات للبرميل أواخر الأسبوع، نتيجة تفاقم النزاع الجيوسياسي في الشرق الأوسط وتصاعد الهجمات الصاروخية على الملاحة البحرية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، تفرض زيادات حتمية وشيكة في أسعار البنزين والديزل بالمضخات. وأكدت الجمعية أن الممر المائي للبحر الأحمر يمثل شرياناً بديلاً حيوياً لصادرات النفط السعودية والخليجية بعيداً عن مضيق هرمز، مما يجعل أي اضطراب فيه دافعاً مباشراً لاشتعال تكاليف الشحن والتأمين وأسعار التكرير العالمية.
أوضحت الجمعية أن مشغلي محطات الوقود المستقلة، ورغم تفهمهم الكامل للضغوط التضخمية التي يعاني منها المستهلكون وسائقو المركبات، باتوا عاجزين تماماً عن امتصاص الارتفاعات المتتالية في أسعار الجملة للوقود دون تعريض استمرارية منشآتهم وأعمالهم التجارية لخطر الإفلاس والتعثر؛ إذ تعمل الساحات وفق هوامش ربح صافية بالغة الضآلة لا تحتمل تقلبات أسواق الطاقة الحادة. ويضع هذا الواقع المعقد وزير الخزانة أمام معضلة مالية واقتصادية صعبة؛ فبينما يواجه دعوات شعبية وصناعية متزايدة للتخفيف من غلاء المعيشة وحماية قطاع التجزئة، يجد نفسه مقيداً بضغوط كبح التضخم وارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي، مما يجعل التنازل عن إيرادات ضريبة الوقود تحدياً مالياً جسيماً قد يضطره إلى تقليص الإنفاق العام في قطاعات أخرى.
يسلط هذا المشهد الضوء على الهشاشة الهيكلية التي تواجهها ساحات بيع الوقود في ظل الصدمات الجيوسياسية المفاجئة؛ حيث تتحول محطات الخدمة في الخطوط الأمامية إلى واجهة لتحمل غضب المستهلكين من ارتفاع الأسعار، بينما تنحسر هوامش أرباحها التشغيلية بين أسعار الجملة المرتفعة والضرائب الثابتة. وتؤكد هذه الأزمة لمشغلي المحطات ضرورة تسريع استراتيجيات تنويع مصادر الإيرادات عبر التوسع في قطاعات الأغذية الطازجة، والخدمات اللوجستية، والمتاجر الميسرة، لتقليل الاعتماد الحرج على مبيعات الوقود السائل كمصدر دخل وحيد. كما تبرهن للجهات التنظيمية وصناع السياسات أن فرض أعباء ضريبية إضافية على ساحات الوقود خلال موجات الغلاء العالمية يهدد استقرار سلاسل الإمداد اللوجستية الوطنية ويعيق قدرة المشغلين على الاستثمار في بنية الشحن الكهربائي والتحول الطاقي المستدام، وهو ما يجعل من تحقيق التوازن التشريعي بين الإيرادات الضريبية العامة وصمود شبكات التوزيع المستقلة ضرورة أمن اقتصادي وطني تحمي مرونة سلاسل النقل والتجارة في بريطانيا.




