كشفت دراسة استقصائية وتحليلية شاملة نشرتها منصة “موبيليتي بلازا” (MobilityPlaza) العالمية حول مستقبل خدمات التجزئة على الطرق السريعة في أوروبا، عن تسارع التحول الجذري في النموذج التشغيلي لمحطات الخدمة من مجرد نقاط تزود بالمحروقات إلى وجهات ضيافة وطعام متكاملة (Foodservice Destinations)؛ في توجه يعيد تعريف محطة الوقود كـ “متجر أطعمة يبيع الوقود، وليس العكس” (A food shop that sells fuel). ويستند هذا التحول إلى حقائق اقتصادية حاسمة أظهرتها بيانات معهد “ماكنزي” (McKinsey)، حيث سجلت إيرادات قطاع الوجبات وخدمات الطعام في محطات الخدمة بالاتحاد الأوروبي نمواً سنوياً بنسبة 6.8% بين عامي 2022 و2025، متفوقة على مبيعات البقالة التقليدية التي نمت بنسبة 4.8%. والأهم من ذلك، تحقق مبيعات الأطعمة الطازجة والجاهزة هامش ربح إجمالي استثنائي يصل إلى نحو 53%، مقارنة بهوامش ضئيلة تتراوح بين 10% إلى 30% للسلع المعبأة والمحروقات؛ فضلاً عن أن أكثر من 60% من المستهلكين الذين يدخلون المحطة لشراء الطعام أو المشروبات يشترون سلعاً أخرى، بينما يشتري 84% من زوار المتاجر الميسرة مشروباً واحداً على الأقل.
وتسلط الدراسة الضوء على التجربة الأيرلندية الرائدة بقيادة توماس إينيس (Thomas Ennis)، الحائز على جائزة “متجر العام للمتاجر الميسرة في أوروبا 2026” من الجمعية الوطنية للمتاجر الميسرة (NACS) عن محطة “ماكسول لونغ مايل رود” (Maxol Long Mile Road) في دبلن، والتي خضعت لإعادة تطوير شاملة بقيمة 4.5 مليون يورو. وتضم المحطة مطبخاً موسعاً للأغذية الطازجة، ومطعم برجر كينج بنظام الطلب من السيارة (Drive-thru)، والعلامة المكسيكية زامبريرو (Zambrero)، وقسم قهوة روزا (ROSA Coffee)، وصالة طعام تتسع لـ 48 ضيفاً. ويؤكد إينيس أن مفتاح النجاح يكمن في اعتبار الطعام والخدمة المتميزة جوهر العمل، مع توظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة المخزون والتنبؤ الدقيق بالطلب للحد من الهدر الغذائي، مما يسمح بدفع أجور أعلى للكوادر المدربة وتقديم تجربة ضيافة راقية تعوض تكاليف التشغيل وترفع الربحية الإجمالية للموقع.
من جانبه، يؤكد كريستيان وارنينغ (Christian Warning)، مؤسس مركز الأبحاث الاستشاري “ذا ريتيل ماركتيرز” (The Retail Marketeers)، أن خدمات الطعام لم تعد مجرد قسم إضافي بجانب التبغ ومستلزمات السيارات، بل باتت تمثل “نظام التشغيل الأساسي” (The Operating System) للمحطة بأكملها. وتعتمد هذه الفلسفة على إدارة معدل تكرار الزيارات؛ فبينما يتزود السائق بالوقود مرة واحدة أسبوعياً، فإنه يبحث عن القهوة والوجبات السريعة والمرافق النظيفة ثلاث إلى خمس مرات يومياً. ويشير وارنينغ إلى فجوة هائلة تقدر بمليارات اليورو في أسواق رئيسية مثل ألمانيا؛ حيث لا تقتنص محطات الوقود الألمانية سوى 1% إلى 2% فقط من سوق الوجبات خارج المنزل البالغ حجمه 90 مليار يورو، مقارنة بنحو 15% إلى 18% في دول الشمال الأوروبي، مما يفتح نافذة نمو استثمارية لا تقل عن مليار يورو لتحديث محطات الوقود في ألمانيا والدول المجاورة.
وعلى مستوى السلاسل الكبرى، تستعرض الدراسة تجربة مجموعة “فالورا” (Valora Group) السويسرية، التابعة لعملاق التجزئة المكسيكي “فيمسا” (FEMSA)، والتي تدير نحو 2,800 نقطة بيع في أوروبا. وقدمت فالورا مفهوم “ذا كيتشن” (The Kitchen) داخل متاجر “أفيك” (avec) بمحطات الوقود والقطارات، وهو مطبخ مفتوح تُطهى فيه الوجبات الساخنة الطازجة أمام أعين العملاء. وصرح روجر فوغت، الرئيس التنفيذي للتجزئة والخدمات الغذائية في فالورا، بأن مبيعات الأغذية والمشروبات تمثل بالفعل أكثر من نصف إجمالي مبيعات أقوى فروع الشركة؛ موضحاً أن الارتقاء بجودة الطعام لا يعوض تراجع إيرادات الوقود فحسب، بل يرفع من الإقبال العام على المحطة ويزيد من مبيعات الوقود نفسها بفضل خلق وجهة جاذبة للسائقين.
وتخلص الدراسة إلى أن قطاع محطات الخدمة مقبل على “انقسام مستقبلي” (Future Split) حاسم؛ حيث ستتحول بعض المواقع إلى محطات شحن وطاقة مؤتمتة وغير مأهولة، بينما ستتحول المواقع الاستراتيجية الكبرى إلى وجهات ضيافة وتجزئة طعام يقودها الذكاء الاصطناعي وأنظمة الطلب الذاتي والمطابخ السحابية المدمجة للتوصيل المنزلي السريع. وتؤكد الدراسة أن ريادة السوق لم تعد تقاس بعدد المضخات، بل بالقدرة على إشباع شهية المستهلك العصري وتوفير ملاذ مريح لتناول الطعام وشحن الطاقة، لتصبح الضيافة هي الحصن المالي المنيع للمشغلين في عصر التنقل النظيف وتراجع مبيعات المحروقات والتبغ.
وفي سياق إدارة التكاليف التشغيلية، تفند الدراسة المخاوف التقليدية لمشغلي المحطات بشأن ارتفاع تكاليف العمالة والهدر في الأغذية الطازجة؛ حيث تبرهن تجربة ماكسول وفالورا على أن الاستثمار في أكشاك الطلب الذاتي وشاشات المطبخ الرقمية (KDS) وأنظمة التحكم اللحظي بالمخزون يرفع إنتاجية العاملين بنسبة 40% مقارنة بالمطاعم التقليدية. ويتيح دمج المطابخ الذكية، مثل شراكة ماكسول مع شركة “نواه” (Noahs) لتقنيات المطابخ المصغرة المؤتمتة، إعداد البيتزا والتاكو والدجاج المقلي عند الطلب وإرسالها عبر تطبيقات التوصيل الرقمي المشتركة (Deliveroo وUber Eats)، مما يفتح مصادر دخل مسائية وليلية تضمن استمرارية تشغيل أصول المحطة على مدار 24 ساعة في سوق توصيل الطعام المتنامي الذي يقارب 9 مليارات يورو سنوياً في بريطانيا وأيرلندا وحدها.
علاوة على ذلك، تحلل الدراسة التحولات الديموغرافية وسلوكيات المستهلكين الأوروبيين ما بعد التضخم؛ فبينما تشير بيانات ماكنزي إلى أن 73% من المستهلكين في كبرى خمس دول أوروبية يبحثون عن بدائل أقل سعراً لترشيد إنفاقهم، يخطط 36% منهم لتقليص زياراتهم للمطاعم الفاخرة ذات الجلوس الكامل، في حين يحرص 34% على مكافأة أنفسهم بوجبات سريعة عالية الجودة وتناول القهوة الفاخرة أثناء تنقلاتهم اليومية. وتضع هذه المعادلة محطات الوقود والتجزئة الميسرة في مكانة مثالية لاقتناص حصص سوقية ضخمة من المطاعم التقليدية ومحلات السوبرماركت الكبرى، شريطة أن تنجح في تقديم قيمة سعرية منافسة وخيارات غذائية صحية وطازجة تلبي تطلعات أكثر من نصف المستهلكين الذين يعتبرون الصحة أولوية متقدمة مقارنة بالسنوات السابقة.
وختاماً، تبرهن دراسة موبيليتي بلازا على أن المنافس الحقيقي لمحطة الوقود اليوم لم يعد المحطة المجاورة عبر الشارع، بل سلاسل مطاعم الخدمة السريعة والمخابز ومتاجر السوبرماركت المتطورة. ويتطلب الفوز في هذا السباق تبني عقلية تجارية جديدة تستند إلى “إدارة المهام الاستهلاكية بالبيانات” (Data-Driven Mission Management) بدلاً من الإدارة التقليدية لفئات السلع، وإعادة تصميم المساحات المعمارية لساحات الخدمة لتمنح الأولوية لمقاعد الراحة والمساحات الخضراء ونقاط الشحن فائق السرعة والمرافق الصحية الفاخرة. إن بناء علاقة ولاء حقيقية ومستدامة مع السائقين يعتمد بالدرجة الأولى على تميز وجودة وجبة الطعام والقهوة وكرم الضيافة، مما يجعل التميز في قطاع الأغذية والضيافة طوق النجاة الاستراتيجي والرافعة الربحية الكبرى التي تضمن ازدهار مشغلي محطات الخدمة في المشهد الطاقي الجديد لعقود قادمة.




