سجلت أسعار وقود الديزل في المملكة المتحدة سابقة تاريخية ورمزية غير مسبوقة بتجاوزها الرسمي لحاجز الجنيهين الإسترلينيين للتر الواحد؛ حيث أظهرت أحدث البيانات الإحصائية والتحليلية الشاملة الصادرة عن منصة “بترول برايسز” (PetrolPrices)، المستندة إلى مسح ورصد حي لأسعار 8,098 محطة وقود في مختلف المقاطعات البريطانية، أن متوسط سعر لتر الديزل بلغ 200.1 بنس، مع قيام 4,934 محطة ببيع الديزل عند عتبة الجنيهين أو أعلى منها. ويشكل هذا المستوى القياسي ضغطاً مالياً وتضخمياً حاداً يلقي بظلاله القاتمة على حركة الشحن والنقل اللوجستي، وسلاسل الإمداد الغذائي، وتكاليف المعيشة للمستهلكين ومجتمع الأعمال البريطاني. وترجع هذه القفزة السعرية الحادة إلى تضافر جملة من العوامل الهيكلية والجيوسياسية المعقدة في أسواق الطاقة؛ ففي حين تحقق مصافي التكرير البريطانية فائضاً في إنتاج البنزين الخالي من الرصاص، فإن المملكة المتحدة تعد مستورداً صافياً لوقود الديزل، حيث تستورد نحو 30% من احتياجاتها من الولايات المتحدة الأمريكية بعد قرار الحكومة البريطانية بالوقف التدريجي والحظر الكامل لواردات الديزل الروسي ضمن العقوبات الاقتصادية الدولية. وتفاقمت أزمة المعروض المحلي مع دخول مصفاة “فاولي” (Fawley Refinery) العملاقة في هامبشاير، والمملوكة لشركة “إسو/إكسون موبيل”، في برنامج إغلاق وصيانة دورية شامل يمتد لعشرة أسابيع، مما قلص عدد مصافي التكرير العاملة في بريطانيا إلى ثلاث منشآت فقط في ذروة الطلب الموسمي الخريفي. وأكد جيمس هيتشمان، مدير منصة “بترول برايسز”، أن وصول أسعار المحروقات إلى هذه المستويات القياسية يفرض على الحكومة البريطانية مراجعة خططها الرامية لزيادة الرسوم الجمركية على الوقود (Fuel Duty) في الميزانية العامة المرتقبة، مشدداً على أن فرض أي أعباء ضريبية إضافية عند المضخات سيوجه ضربة قاسية للأسر وأساطيل النقل وقطاعات التجزئة التي تعاني بالفعل من ارتفاع تكاليف التشغيل. كما حذر خبراء الطاقة من أن هذه الأسعار المرتفعة تدفع المستهلكين إلى ترشيد مشترياتهم واعتماد أسلوب التزود الجزئي (Top-up) بدلاً من ملء الخزانات بالكامل، مما يربك التدفقات النقدية وهوامش أرباح محطات التجزئة المستقلة. وتسلط هذه الأزمة الضوء على الهشاشة الاستراتيجية لأسواق الوقود التقليدية في غرب أوروبا وتداعيات التحولات الهيكلية في سلاسل الإمداد العالمية؛ حيث يجد مشغلو المحطات أنفسهم عالقين بين ارتفاع أسعار الجملة العالمية وتراجع هوامش بيع التجزئة، فضلاً عن ردود الفعل الغاضبة من السائقين. ويؤكد محللو السوق أن استمرار أزمة أسعار الديزل سيعجل من لجوء كبرى شركات النقل وأساطيل التوزيع إلى تسريع كهربة مركباتها أو التحول نحو بدائل الوقود الحيوي المعالج بالهيدروجين (HVO)، مما يضع محطات الوقود التقليدية أمام حتمية تنويع مصادر إيراداتها عبر التوسع في قطاع الأغذية الطازجة وشبكات الشحن الكهربائي عالي القدرة لضمان بقائها المالي.


