تدرس شركة الزيت العربية السعودية “أرامكو” (Saudi Aramco)، عملاق الطاقة العالمي، خطة إعادة هيكلة تنظيمية واستراتيجية شاملة تهدف إلى تأسيس قطاع وذراع مستقلة مخصصة لقطاع الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال (LNG)، وذلك لإدارة أصولها المحلية المتنامية من الغاز وقيادة محفظتها التوسعية العالمية في أسواق الطاقة النظيفة. وتستهدف هذه الخطوة المؤسسية، التي كشفت عنها تقارير وكالة “رويترز” ومصادر القطاع، إنشاء منصة مركزية مستقلة تمنح أرامكو مرونة تشغيلية واستثمارية أعلى لتسريع وتيرة تطوير مشاريع الغاز غير التقليدي في المملكة، وفي مقدمتها حقل “الجافورة” العملاق الذي يمثل درة تاج استراتيجية الغاز السعودية وبدأ باكورة إنتاجه التجاري الفعلي عام 2025. وتحمل هذه الهيكلة المقترحة أبعاداً مالية واستثمارية بالغة الأهمية؛ إذ تتيح لأرامكو تهيئة وحدات وأصول الغاز المختارة لعمليات طرح وإدراج عام محتملة (IPOs) في الأسواق المالية مستقبلاً، مما يمكن الشركة من جمع سيولة نقدية استثمارية بمليارات الدولارات وتسييل أصول البنية التحتية، مع الاحتفاظ بالسيطرة الاستراتيجية والتشغيلية الكاملة على جوهر عملياتها. ويحاكي هذا المسار النموذج الناجح الذي تبنته كبرى شركات الطاقة الوطنية في الخليج العربي؛ حيث قامت شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” (ADNOC) بإدراج حصص في شركات الغاز والحفر والتوزيع وتجزئة الوقود، فيما نجحت أرامكو ذاتها مسبقاً في استقطاب تحالفات استثمارية عالمية عبر صفقات استئجار وإعادة تأجير خطوط أنابيب النفط والغاز. وعلى الصعيد الدولي، تتزامن الخطة مع طموحات أرامكو المتسارعة للتحول إلى لاعب رئيسي في تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية؛ حيث أبرمت صفقات استحواذ استراتيجية بارزة شملت شراء حصص في شركة “ميد أوشين إنرجي” (MidOcean Energy) المتخصصة في الغاز المسال، إلى جانب اتفاقيات توريد وشراكة مع مشروع “كومنولث إل إن جي” في الولايات المتحدة ومشاريع في أستراليا وجنوب شرق آسيا. وتوفر وحدة الغاز المستقلة الكفاءة اللازمة لإدارة عقود الإمداد والتداول وتأمين مسارات الشحن للأسواق المتعطشة للطاقة في آسيا وأوروبا، مستفيدة من التوقعات طويلة الأجل التي تشير إلى نمو الطلب العالمي على الغاز بنحو 60% بحلول 2040. وتسلط هذه الخطوة الضوء على التحول الجوهري في الرؤية الاقتصادية للمملكة في إطار رؤية السعودية 2030؛ حيث يمثل التوسع في الغاز الطبيعي بديلاً بيئياً حاسماً للحد من حرق السوائل النفطية محلياً وتوجيهها للتصدير، فضلاً عن تزويد محطات الكهرباء والمجمعات البتروكيماوية ومشاريع إنتاج الهيدروجين الأزرق بلقيم طاقوي منخفض الانبعاثات. ويبرهن تأسيس ذراع متخصصة للغاز على عزم أرامكو بناء منظومة طاقة متكاملة تجمع بين ريادة النفط التقليدي والريادة في الغاز والوقود النظيف، مما يحصن ربحيتها ويدعم استدامة تدفقاتها النقدية في عصر التحول الطاقوي الشامل.


